عبد الوهاب الشعراني

491

اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )

الحسن الشاذلي رضي اللّه عنه أن مريم عليها السلام كان يتعرف إليها في بداياتها بخرق العوائد بغير سبب تقوية لإيمانها وتكميلا ليقينها فكانت كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً [ آل عمران : 37 ] فلما قوي إيمانها ويقينها ردت إلى السبب لعدم وقوفها معه فقيل لها وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا ( 25 ) [ مريم : 25 ] انتهى . ( فإن قيل ) : إذا كان الحق تعالى خلاقا على الدوام يوجد كوائن بعد كوائن فما ثم عوائد تنخرق إنما هو خلق جديد ؟ ( فالجواب ) : كما قاله الشيخ في الباب الستين وثلاثمائة : نعم والأمر كذلك ونقله عن المحققين من أهل الكشف ولفظه : اعلموا أنه ليس عند المحققين عوائد تنخرق أبدا وإنما هو إيجاد كوائن وما ثم في نفس الأمر عوائد تنخرق لعدم التكرار في الوجود فما ثم هناك ما يعود وإنما هي خرق العوائد في أبصار العامة فقط وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى : بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ ق : 15 ] أي في الصفات لا في الذوات فافهم انتهى . وقال في الباب الثاني والخمسين وثلاثمائة : اعلم أن أكابر الأولياء يشهدون كونهم في حال خرق العادة في عين العادة فلا يشهدهم الناس إلا وهم آخذون من الأسباب ولا يفرقون بينهم وبين العامة وليس لأصحاب خرق العوائد الظاهرة من هذا المقام شمة لأنهم آخذون من الأسباب مع الوقوف معها فما زالت الأسباب عنهم وإنما خفيت عليهم لأنه لا بد لصاحب خرق العادة الظاهرة من حركة حسية هي سبب عين وجود ذلك المطلوب فيغرف أو يقبض بيده من الهواء ذهبا أو سكرا أو نحوهما فلم يكن إلا عن سبب من حركة يده وقبض وفتح فما خرج عن سبب لكنه غير معتاد فسموه خرق عادة انتهى . ( فإن قلت ) : فهل كرامة كل ولي تكون تبعا لمعجزة من هو وارثه من الأنبياء ، أم هي غير متوقفة على إرث ؟ ( فالجواب ) : لا يكون قط كرامة لولي إلا تبعا لمن هو وارثه من الأنبياء ، ولذلك كان خواص هذه الأمة يمشون في الهواء وخواص قوم عيسى يمشون على الماء دون الهواء فكل وارث لا يتعدى كرامة مورثه فلا يقال كيف قال صلى اللّه عليه وسلم عن عيسى عليه السلام لو ازداد يقينا لمشى